الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
255
مناهل العرفان في علوم القرآن
3 - كانت إذن مهمة القرآن الحكيم التي أرادها لتمهيد السبيل إلى التعريف بالخالق جل شأنه ، أن يعين للعقول بضرب الأمثال ، لم تفكر ؟ وفيم تفكر ؟ وكيف تفكر ؟ فهو في جهاده هذا كان يخطط أرض العلم لتقيم العقول البشرية عليها صروحه الشامخة المتينة ، ويرسم الخطوط الأساسية للصور كي يملأها الرسام بما يلزم لها من الألوان والظلال ومعالم الجمال . 4 - لم يقف القرآن الكريم عند هذا الحد فيما ضرب لنا من الأمثال ، في بيان بعض غوامض الحقائق الكونية ، بل جاء في ذلك بحقائق أمر الأميين وغير المحصلين بالتسليم بها والتفويض فيها ، كما أمر العقول الناضجة المقتدرة بطلابها والوقوف على دقائقها والعلم بوجوه الصواب فيها . ثم نصح الفويقين أن يعترفا بعجز عقولهم وألا يقطعا بشيء فيما لا تبلغه أبحاثهم وسعيهم ، بل يتهمون أنفسهم بالعجز والقصور ؛ ويسألون أهل الذكر فيما لا يعلمون ، أو يكلون أمر ما لا يدركون إلى من يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير . 5 - أن المسيحيين حينما ثاروا في وجه العلم ونظام الحكم ثوراتهم التجديدية في أوربة ، لم يكونوا ليشبهوا في شئ من مواقفهم تلك أحدا من الشعوب الإسلامية ، فإنما كان مبعث حركتهم العنيفة ومصدر ثورتهم الدموية ، أن رجال الكنيسة باسم الدين حجروا على العقول والوجدان ، وقرروا للكنيسة فلسفة حرموا على الناس حتى استيضاح ما غمض عليهم منها . ثم قرروا تكفير من يقول بغيرها ، ولو اعتمد في رأيه على الحس والمعاينة . حتى لقد كان منهم ميلانشتون وكيرمونينى اللذان رفضا أن ينظرا إلى السماء بالآلة المقربة ( تلسكوب ) وقد روى عن غاليلو أن من تلاميذ المذهب الأرسطاطالى من كانوا ينكرون وجود أجسام علوية مرئية بالفعل ، وأنهم كانوا يعتبرون فلسفة أرسطو كتلة واحدة لا تقبل التفكيك ، إذا نقض منها حجر انهار سائر بنيانها على أثره فكان ذلك سبب مغالاتهم في التمسك بها والحرص عليها مجتمعة » .